أبو علي سينا
5
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
يفيض عليه من الفاعل الأول - جل ذكره - فظهر أنه يرى في كل حال من الأحوال الثلاثة أن لله تعالى في ذلك تأثيرا ، ولنفسه تأثيرا ، إلا أن ما ينسبه إلى نفسه من التأثير في الحالة الأولى أكثر مما ينسبه إلى الله تعالى ، وفي الحالة الثانية قريب منه ، وفي الحالة الثالثة أقل منه ، وإنما يختلف آراؤه بحسب استكماله قليلا قليلا ، فالشيخ عبر بالتوفيق والهداية والإلهام عن غاية ما يتمناه الطالب من الله تعالى في الأحوال الثلاثة : مما يراه سببا لإنجاح مرامه ، ثم نبه المتعلم بما افتتح به كتابه على أنه ينبغي له إذا دخل في زمرة الطالبين أن يحمد الله تعالى على ما تيسر له من التوفيق للخوض في الطلب والسلوك ، ويسأله ما يرجوه من الهداية والإلهام ليتم له بهما الوصول إلى المنتهى فائزا بمطالبه . قوله : وأن يصلي على المصطفين من عباده لرسالته خصوصا على محمد وآله . أيها الحريص على تحقق الحق ، إني مهد إليك في هذه الإشارات والتنبيهات أصولا وجملا من الحكمة ، إن أخذت الفطانة بيدك سهل عليك تفريعها وتفصيلها أقول : الفروع لأصولها كالجزئيات لكلياتها [ 2 ] ، مثاله زيد وعمرو للإنسان .
--> [ 2 ] قوله « الفروع لأصلها كالجزئيات لكليها » : الأصل مقدمة كلية تصلح أن تكون كبرى لصغرى سهلة الحصول حتى يخرج الفرع من القوة إلى الفعل . مثلا إذا حصل عندنا أن كل إنسان ناطق ، وحصل أن زيدا إنسان ، فقد حصل عندنا أن زيدا ناطق وهو الفرع ، والأصل تلك المقدمة الكلية وليس بجزئى لها بل نسبته إليها نسبة الجزئي إلى الكلى في تعرف أحكامه منه ، فمثال زيد وعمرو للانسان إنما هو مثال الجزئيات والكلى ، لا الفرع والأصل ، وإن أردنا ان يكون مثالا لها قدرنا شيئا وهو عند الحكم عليها ، فإذا حكمنا على الانسان وعلى زيد وعمرو فالحكم على الانسان أصل ، والحكم على زيد وعمرو فرع ، والجملة هي مجموع الاجزاء من حيث هو مجموع ، والتفصيل هو تبيين أجزاء الجملة وتمييز بعضها عن بعض ، وقد يطلق على الجزء المفصل ، الممتاز ، وهو المراد من قوله « والتفصيل لجملته كالاجزاء لكلها » وإنما قال كالاجزاء لان التفصيل إنما هو باعتبار تمييز الاجزاء بالعوارض واللواحق ، والاجزاء إذا اعتبرت مع العوارض لا يكون أجزاء ، بل كالاجزاء ، فالتفاصيل مذكورة في الجملة وإن لم يذكر معها ، بخلاف الفروع فإنها لا يكون مذكورة في الأصول ، بل يحتاج في اخراجها من القوة إلى الفعل وهو التفريع ، إلى تصرف زائد وهو تحصيل الصغرى السهلة الحصول وضمها مع الأصل على منهاج ضرب منتج ، واما التفصيل فلا يحتاج إلى -